محمد أبو زهرة
348
المعجزة الكبرى القرآن
وثانيها - أن يكون البغاة لهم قوة بعسكر مناوئة لحكومة الإمام . وثالثها - أن يكون خروجهم لإقامة العدل لا لمجرد الخروج ، والمحاربة والسعي في الأرض بالفساد . وبذلك يفترقون عن قطاع الطريق ؛ لأن قطاع الطريق يخرجون على الحاكم من غير تأويل للإفساد ، وانتهاك حرمات العباد ، وقد كانت عقوبة أهل البغى قتالهم من غير أن يكفروا ولا يعتبروا محاربين ، بل يقاتلون حتى تفل شوكتهم ، وأن على المؤمنين أن ينصروا الإمام العادل . وهذا نص ما جاء في كتاب اللّه تعالى خاصا بذلك : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) [ الحجرات : 9 ، 10 ] . ويستفاد من هذا النص الكريم أنه قبل القتال يجب العمل على رأب الصدع بجمع القلوب المتفرقة ، وتحرى أسباب التقاتل بين الطائفتين ، فإن أمكن إزالة أسباب الخصام ، فإنه بهذا يستقر السلام ، وإن تبين الظلم من إحدى الطائفتين كانت الباغية ، وحل قتالها ، وكان القتال فرضا كفائيا على المؤمنين ، يعاونون العادل ، ويدفعون الآثم . وتدل ثانيا : على أن القتال له غاية ، وهو أن تعود إلى أمر اللّه تعالى ويستقيم أمرها على جادة العدل . فلا يؤسر منهم أسير ، وبالتالي لا يسترق منهم ، ولا تنهب أموالهم ، ولا يجهز على جريحهم . وتدل ثالثا : على أنها إن عادت إلى صفوف المؤمنين تعامل بالعدل ، ولا تعامل بالانتقام ، فليست بينها وبين الحاكم خصومة ، إنما بينهما الأخوة الجامعة ، ولذلك عقب ذكر العقوبة بقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) [ الحجرات : 10 ] . وقد ذكر حكم البغاة مجملا ، ولم يكن بغى في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأن الخروج على حكمه كفر ، وليس ببغى يكون أساسه التأويل ، فلا تأويل ، وعمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم صريح . وكذلك لم يحدث بغى في عهد أبى بكر ، بل حصلت ردة ، وكفر ، وكذلك لم يحصل بغى في عهد الفاروق ، وفي عهد عثمان كان بغى ، ولم تكن مقاومة للبغاة ، حتى قتل الشهيد ذو النورين رضى اللّه عنه قتلة فاجرة ، وفي عهد على فارس الإسلام ، والمجاهد الأول بعد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان البغى ، بشروطه .